فوزي آل سيف
35
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
ويمثل هذا الموقفَ بشكل متميز: عليٌّ بن جعفر الصادق عليه السلام [78]، فإنه مع جلالة قدره علمًا وعلو نسبه شرفًا وموقعه بين الشيعة، كان يظهر ويعلن اعترافه بإمامة الإمام الجواد وتسليمه له، مع كون الإمام الجواد أصغر منه بنحو 47 سنة[79] وكونه عمًّا لأبيه عليٍّ الرضا عليه السلام: «فعن محمد بن الحسن بن عمار، قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالساً بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه الكاظم عليه السلام إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام المسجد مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبل يده وعظمه فقال له أبو جعفر: يا عم أجلس رحمك الله، فقال: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم! فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل؟! فقال: أسكتوا! إذا كان الله عز وجل، وقبض على لحيته، لم يُؤَهِّلْ هذه الشيبة وأَهَّلَ هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، أنكرُ فضله؟! نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد»[80]! ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد منه بل تكرر مع آخرين، وبالفعل فقد كان الأمر ملفتاً أن يكون شخص في نحو الخامسة والخمسين مع ما هو عليه من الفضل والمنزلة يقبل يد فتى عمره تسع سنوات! ويسوي له حذاءه كما في روايات أخر، والأرجح أنّه كان يتعمد التظاهر بذلك لبيان منزلة الإمام الجواد وعظمة شأنه أمام سائر الشيعة. ويظهر أن موقف التسليم والإيمان بإمامة الجواد عليه السلام كان موقف عامة الشيعة، وإن كان بعضهم لا يظهره بالنحو الذي أظهره الفقيه علي بن الإمام جعفر الصادق آنف الذكر، ولكن استقرار الأمر للإمام بعد فترة يسيرة من شهادة أبيه الرضا يشير إلى هذه الحقيقة، كما يشير إليها أن أهم أصحاب أبيه كانوا أصحابه والرواة عنه[81]. هذا إذا استثنينا رجال الواقفية الذين سيأتي ذكرهم.
--> 78 ذكره السيد الخوئي في معجم رجال الحدیث 12: 315، فقال ما خلاصته: قال الشيخ (الطوسي): «علي بن جعفر أخو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، جليل القدر، ثقة، وله كتاب المناسك ومسائل لأخيه موسى الكاظم بن جعفرعليه السلام، سأله عنها: وقال الشيخ المفيد قدس سره: كان من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه اثنان. ونقل ابن أخيه الحسين بن موسى بن جعفر فقال: كنت عند أبي جعفرعليه السلام بالمدينة وعنده علي بن جعفر وأعرابي من أهل المدينة جالس، فقال لي الأعرابي: من هذا الفتى؟ وأشار بيده إلى أبي جعفرعليه السلام، قلت: هذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: يا سبحان الله! رسول الله قد مات منذ مائتي سنة وكذا وكذا سنة، وهذا حدث كيف يكون هذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله؟..فشرح له علي بن جعفر كيف صار الجواد وصي النبي. 79 كانت ولادة علي بن جعفر الصادق سنة 148 وولادة الإمام الجواد 195 ه 80 الكليني: الكافي 1 / 321 81 فمنهم داود بن القاسم (أبو هاشم) الجعفري، وأيوب بن نوح بن دراج، والحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازيان، والحسين بن عبد الله النيسابوي والي سجستان والريان بن شبيب، وزكريا بن آدم القمي، وسعد بن سعد الأشعري، وصفوان بن يحيى البجلي، وعبد العزيز بن المهتدي القمي، وعبد العظيم الحسني، وعبد الرحمن بن أبي نجران، وعبد الله بن الصلت وعمرو بن سعيد الساباطي، ومحمد بن خالد البرقي ومحمد بن الفرج الرخجي، ومعاوية بن حكيم، وابن السكيت يعقوب بن اسحاق.. وغيرهم.